بوستر فيلم «إيجي بيست»
«تحذير: تحتوي هذه المادة على حرق للفيلم وحرق للدم!»
كيف بدأ موقع إيجي بيست، وما القصة وراءه؟ وكيف ولماذا انتهى؟ أسئلة مثيرة لاهتمام أي محب للسينما في الوقت الحالي، مما يجعل الفيلم الذي نحن بصدد الحديث عنه محط اهتمام كثير من الجماهير، كونه يعالج القصة وراء هذا الموقع الشهير. رغم ذلك، رغم الموضوع الشيق والمثير للاهتمام، لم ينجح صناع الفيلم في استغلاله الاستغلال الأمثل.
بسبب الضغوط الحياتية والمادية يتجه شابان مهتمين بالسينما إلى إنشاء موقع لقرصنة الأفلام وتوفيرها بالمجان على موقع تحت اسم «إيجي بيست». يتحول الحلم إلى واقع أكبر من خيالهم، مما يورطهم في عوالم أخرى لم تكن متوقعة.
يبدأ الفيلم من البداية، حيث نرى الأبطال في عالمهم الأول قبل الدخول إلى عالم قرصنة الأفلام. بدايةً مع محمد شوقي (أحمد مالك)، ثم صديقه المقرب صابر (مروان بابلو)، وأخيرًا الضلع الثالث للمثلث الشهير في كثير من الأفلام، والذي عادة ما تكون أنثى/فتاة، كما هو الحال هنا: أنوار (سلمى أبو ضيف).
صديقان وفتاة؛ سيناريو يسمح لنا بأن نتوقع سريعًا ما هو قادم، مثل أن يقع الشابان في حب نفس الفتاة، وهي لا بد ستختار واحدًا فقط، مما يوقع العداوة بينهما. ولكي تكون النهاية سعيدة، إما أن يتصالح الأطراف الثلاثة، وإما أن يخسر أحدهما الفتاة من أجل صديقه.
يقبع أبطالنا في بيئة فقيرة، ولدى كل شخصية ضغوط مادية تحفزهم للوصول إلى النقطة التي سيبدأ منها أول الخيط. ولكي تصبح الاختيارات حتمية ولا بد منها قبل الوصول إلى نقطة التحول، يجب أن يكون لدينا أم مريضة، وبيت بالإيجار، والكليشيهات المتعارف عليها.
في البداية، يقدم لنا الفيلم نفسه من خلال التعليق الصوتي بصوت أحد أبطاله، وهو شوقي، وهي أولى نقاط الضعف في الفيلم، إذ يستغني صناعه عن لغة الصورة، التي هي أداة المخرج الأولى للحكي، مستعيضين عن ذلك بالحكي الصوتي (voice over).
سريعًا ما يقص علينا شوقي البدايات حتى نصل إلى اللحظة الأهم، والتي تظهر فيها فكرة إنشاء موقع للأفلام المقرصنة، بعد دخول صابر إلى السينما وتسجيل الفيلم من خلال كاميرا صغيرة وضعها داخل علبة الفشار.
حيلة ذكية متقنة مكنته من تسجيل الفيلم من داخل قاعة السينما، وكانت تصلح نقطة انطلاق ذكية للحكاية، إلا أن الفيلم سريعًا ما يقع في الاستسهال عندما يقرر الأبطال الوصول إلى نسخة أصلية من الأفلام، فيتم الاتجاه إلى عامل في مكتب المونتاج، ويأتي الهروب من هذا المأزق عندما يراهم شخص في المكان بطريقة هزلية، ليزيد الأمر سوءًا.
كما أن الفيلم لا يمنح شخصياته المساحة الكافية لفهم دوافعهم الداخلية بعمق، فنظل أمام قرارات كبرى تُتخذ بسرعة ودون تمهيد كافٍ، وكأن الشخصيات تتحرك لخدمة الحبكة فقط، لا انطلاقًا من منطقها الخاص. وهو ما يضعف ارتباطنا بهم، ويجعل رحلتهم تبدو أقرب إلى مخطط مرسوم سلفًا منه إلى تجربة إنسانية حقيقية.
والمفارقة أن الفيلم، رغم تناوله لعالم قرصنة الأفلام، لا ينشغل فعليًا بطرح أي تساؤل حقيقي حول هذا العالم. فلا نجد موقفًا واضحًا من الفعل ذاته، ولا محاولة لفهم تبعاته على الصناعة أو على صُنّاعها، بل يمر الأمر وكأنه مجرد وسيلة درامية لتحريك الأحداث. وهو ما يفقد الحكاية أحد أهم أبعادها، إذ تتحول القرصنة من قضية إشكالية تحمل صراعًا أخلاقيًا واقتصاديًا إلى مجرد خلفية باهتة.
لدينا مشكلات تطفو على السطح نلحظها منذ البداية، وهي الكتابة الركيكة للشخصيات والأحداث؛ فلدينا شخصيات، فوق أنها نمطية ومكررة وأفعالها متوقعة، فهي غير مكتملة وسطحية جدًا. فمثلًا شخصية صابر هذه ليس لها فائدة سوى تعقيد الأمور، وكونه صديق البطل الذي يحب نفس الفتاة، ويتورط معه في عالمه. لكن إذا نظرنا بجدية إلى الشخصية، فهي لا تمتلك دوافع قوية، ولم يكن لها تاريخ شخصي يمكننا من التعاطف معها؛ فدائمًا أفعاله غريبة وغير مبررة دراميًا.
كذلك شخصية أنوار، ماذا تريد؟ وما دافعها وراء التخريب خلف حبيبها والاتفاق مع عدوه؟ وما سبب حوارها مع صابر؟
المشكلة الأكبر مع الكتابة السطحية غير المتقنة ليست وليدة هذا الفيلم، بل إن الأمر مرتبط بشكل ملحوظ مع كل إنتاجات السيناريست الشاب أحمد حسني. فلو نظرنا إلى أعماله السابقة (المشروع إكس، السلم والثعبان 2، …)، سنجد أن الغالب على أعماله عدم الجدية في الكتابة. قد تكون الأفكار براقة أحيانًا، لكنها لا تتخذ القالب المناسب لها كسيناريو.هل هي مشكلة عدم دراسة أكاديمية أو جادة للسيناريو؟
أم مشكلة تسرّع في الكتابة والانتقال من مشروع لآخر؟
المتتبع لأعمال حسني سيلمس وجود الأمرين معًا. وإذا نظرنا إلى سابقة أعماله السينمائية، سنجد أن العمل الوحيد الجاد المتقن هو فيلمه القصير (القاهرة-برلين). الفيلم مكتوب بحرفية واضحة، ويمكن تطبيق قواعد السيناريو المعروفة عليه، وله ملامح واضحة. غير ذلك، تأتي أعمال حسني دائمًا غير متماسكة، وبها استسهال واضح في الكتابة.
فهنا بالرغم من أن الفيلم يتناول عالمًا له خصوصية شديدة، وهو عالم قرصنة الأفلام، إلا أن الكتابة لا تبذل جهدًا كافيًا في بناء هذا العالم أو كشف تفاصيله. فلا نشعر بأننا دخلنا بيئة لها قواعدها وتعقيداتها، بل مجرد خلفية عامة تُستخدم دون استثمار حقيقي.
بالإضافة إلى الكتابة غير المتقنة، لدينا مشكلة أخرى تتعلق بالإخراج. نحن أمام العمل الأول لمخرجه، صحيح، ولكنه مخرج لديه مسيرة كمساعد مخرج، كان من المفترض أن تكون زادًا وعونًا له في تجربته الأولى كمخرج، بالإضافة إلى كونه أخرج مسلسلًا رمضانيًا من قبل.
إلا أننا في هذا العمل نشاهد صورةً ملونةً منزوعةَ الارتباط بالمضمون. فالمفترض أن الشكل/الصورة مرتبطان بالأساس بمضمون العمل والعالم الذي يتناوله، إلا أننا هنا أمام صورة ملونة إعلانية من البداية إلى النهاية. نراها في المرحلة الأولى عندما كان الأبطال فقراء، ولديهم أزمات مادية ونفسية متراكمة، ونراها كما هي لم تتغير بعد أن تبدّل حالهم وأصبح الأبطال أثرياء.
وهو ما يفقد التحول الدرامي أحد أهم أدواته التعبيرية، إذ لا ينعكس التغير في مصائر الشخصيات على المستوى البصري، فتبدو الرحلة وكأنها لم تحدث فعليًا، بل مجرد تغيير في الحوار والأحداث دون تجسيد حقيقي في الصورة.
فالصورة السينمائية ليست مجرد عنصر جمالي، بل أداة دلالية تُنتج المعنى. وعندما تنفصل عن المضمون، تتحول إلى سطح لامع بلا عمق، يزيّن العمل دون أن يضيف إليه.
فوق كل مصائب وكوارث الفيلم تأتي كارثة الأداء لتزيد من سوء تجربة المشاهدة.
لدينا أسماء ممثلين موهوبين، وهو ما يجعلنا في حيرة من هذا الأداء الضعيف. جاء (أحمد مالك) بأداء ضعيف جدًا، وكأنه لم يبذل مجهودًا في التحضير نهائيًا، واكتفى بخبراته الطويلة في الأعمال التي قام بها، والتي تشبه إلى حد كبير شخصيته في هذا الفيلم.
وكذلك جاء أداء (سلمى أبو ضيف) هو الآخر ضعيفًا وغير مقنع، رغم أنها قد تكون أفضلهم. إلا أن ما قدمته سلمى من قبل يجعلنا نقول إنها هي الأخرى لم تكن على نفس المستوى المعهود منها هذه المرة.
أما (مروان بابلو)، فقد قدم أداءً مقبولًا بالنسبة للتجربة الأولى، وبالنسبة لحجم ومساحة الدور الذي يقوم به. ولا يعني ذلك أنه كان أداءً قويًا، ولكنه لم يكن كارثيًا، بل كان جيدًا ومقنعًا في بعض المشاهد.
الأداء المقبول جاء بعيدًا عن الأبطال، من مدرس اللغة الإنجليزية، والطفل، وميشيل ميلاد، رغم المخاوف الكبيرة من حصره في هذا الإطار بهذه المساحة.
ويبدو أن المشكلة لا تتعلق فقط بقدرات الممثلين، بقدر ما ترتبط بغياب التوجيه الإخراجي الواضح، فالأداءات تبدو متروكة لاجتهادات فردية غير منضبطة، دون رؤية تجمعها أو توحّد إيقاعها. وهو ما خلق حالة من التفاوت داخل المشهد الواحد، حيث يقدّم كل ممثل أداءً ينتمي إلى عالم مختلف، فلا نشعر بوجود كيمياء حقيقية أو تفاعل حي بين الشخصيات، بقدر ما نشاهد أداءات متجاورة لا تلتقي.
أعتقد أن مشكلة الفيلم الأكبر هي في التخيل؛ فكيف لموقع شهير كهذا، حقق ملايين الجنيهات ومليارات المشاهدات، أن تكون القصة وراءه اثنين من الشباب اضطرّتهما الحاجة إلى المال لتكوين واحد من أشهر مواقع الأفلام المقرصنة في مصر والوطن العربي؟
القصة التي حكاها الفيلم هنا لم تتناسب مع الواقع الملموس، لذلك جاءت الإجابة على الأسئلة التي طرحناها في المقدمة إجابات غير مقنعة، بها قدر كبير من التساهل وعدم الجدية.
حتى حجة حب السينما لم تكن مُبرزة بالشكل القوي، بل جاءت هامشية. في النهاية، حكى صُنّاع الفيلم قصة تقليدية متهالكة، مكررة ومملة، عن الصداقة، في قالب حكاية مشوقة وفكرة براقة وعالم لم تقتحمه الكاميرا من قبل.
فرصة ضائعة تشعل الحزن بديلًا عن الحماس.